أحمد بن محمد المقري التلمساني

337

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

وحسدا ، وزأر عليّ أسدا ، لما استقلّ على الكرسي جسدا ، من غير ذنب تبين ، ولا حدّ تعين ، أصابه من خلاصي المقيم المقعد ، ووعد النفس بأمل أخلف منه الموعد ، لما استنقذني اللّه برحمته من بين ظفره ونابه ، وغطاني بستر جنانه ، وكثرني في العيون على قلّة ، وأعزني بعزّ نصره على حال ذلّة ، لم يدع حيلة إلّا نصبها أمامي ، ليحبط ذلك المقام الكريم ذمامي « 1 » ، ويكدر جمامي « 2 » ، ويستدرك حمامي ، وزعم أنّ بيده على البعد زمامي ، ويأبى ذلك رأي يفرق بين الحقّ وضدّه ، وعدل لا يخرج الشيء عن حدّه ، فنبهت سيدي خوفا أن تتّجه حيلة ، أو تفسد وسيلة ، وأنا قادم بالأهل والولد ليعمل في رب الصنيعة على شاكلة المجد « 3 » الذي هو له أهل ، فما بابتدائه جهل ، ولا يختلف في عظم ما أسداه غرّ ولا كهل ، ولا ينبّه مثله على تتميم ، وإجزال فضل عميم ، ومؤانسة غريب ، وصلة نصر عزيز وفتح قريب ، بحول اللّه تعالى . وقال لسان الدين بعد ما سبق نقله عنه في حقّ ابن مرزوق : ولمّا انقضى أمر سلطانه ، رحمه اللّه تعالى ، متجنّى عليه بسببه ، محمولا عليه من أجله ، تقبّض عليه وأجمع الملأ على قتله ، وشدّ اعتقاله ، وطلب بالمال العريض وانتهبت أمواله واعتقلت رباعه ، وجنبت مراكبه ، واصطفيت أمهات أولاده ، وتمادى به الاعتقال والشدّة ، إلى أن عادته عوائد اللّه في الخلاص من الشدّة ، والانتياش عن الورطة « 4 » ظاهرة عليه بركة سلفه ، قائمة له حجّة الكرامة في أمره . حكى أمير المسلمين سلطاننا أعزّه اللّه قال : عرض لي والدي ، رحمه اللّه تعالى ، في النوم فقال : يا ولدي ، اشفع في الفقيه ابن مرزوق ، فقبّلت يده ، واقتضيت حظه ، وحكيت داعيته ، وعينت للوجهة في ذلك قاضي الحضرة ، فكان ذلك « 5 » ابتداء الفرج . [ نكبة ابن مرزوق وخلاصه منها ] وحدّثني الثقة من خدام السلطان أبي عنان عنه مخبرا عن نفسه لما نفس عنه من نكبته ، وأجاره من سخطته ، قال : رأيت رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، فأمرني بذلك ، وكفى بها جاها وحرمة ، قلت : فترك سبيله ، وأتيح له « 6 » ركوب البحر إلى البلاد المشرقية بأهله وولده ، فسار في كنف الستر ، وتحت جناح الرقابة ، في وسط رجب من عام أربعة وستين وسبعمائة من ساحل باديس ، صحب اللّه وجهته ، وختم عصمته ! انتهى ما لخصته من كلام لسان الدين بلفظه .

--> ( 1 ) الذمام ، بكسر الذال : العهد والذمة . ( 2 ) الجمام - بكسر الجيم - ملء القدح ماء وبفتح الجيم : الراحة ، وكلاهما يمكن اعتماده هنا . ( 3 ) في ب « شاكلة الحمد » . ( 4 ) في ب « والانتياش من الورطة » . ( 5 ) في ب « فكان في ذلك » . ( 6 ) أتيح له : تهيأ له .